ابن سبعين

9

بد العارف

الوصول إلى الحق أو الحقيقة الإلهية ؟ أو متى يبلغ المتصوف درجة العارف المحقق المستعد لاستقبال وفهم الكمالات الإلهية ؟ وقد اتبع ابن سبعين في رده هذا التساؤل طريقة جدلية تقوم في أساسها على نقاش المذاهب السابقة على مذهبه وردها ، واثبات عدم استطاعتها ، بل وعدم قدرتها أصلا ، في الوصول إلى تحقيق هذا الهدف . والمذاهب التي يجادلها بد العارف تتناول بالواقع مراتب عقلية تتدرج من الفقه إلى الفلسفة فالتصوف مرورا بعلم الكلام الذي يحصر ابن سبعين نقاشه فيه مع مذهب الأشعري ، والأشاعرة عامة . الا ان هذا التدرج رغم شموليته لا يقدم عرضا تاريخيا وافيا ولا يركز أيضا على مبادئ معينة : بل غالبا ما يبقى في اطار العموميات وان يكن ابن سبعين قد وسع دائرة نقاشه لتشمل عددا كبيرا من القضايا والمواضيع التي تناولتها المذاهب المشار إليها من مثل رأيهم في العقل والنفس والله وطريق الوصول إلى الله وما شابه ذلك . هذا وقد أشار ماسينيون لهذا النقد وأولاه قيمة كبرى فهو يرى فيه « نقدا نفسيا » يظهر لأول مرة في تاريخ الثقافة الاسلامية ويتميز بالذهن الثاقب القادر على اختيار مراجعه وتحديد عناوينها بدقة . كما يتميز بنبرة متعالية وعدوانية إلى حد ما ترجع إلى عدم تأقلم ابن سبعين مع الوسط الثقافي لعصره كما ترجع إلى الحس النقدي الذي امتاز به ابن سبعين 8 . ولقد نشر ماسينيون إلى جانب ذلك قسما من هذا النقد ، ولأول مرة ، في كتابه « نصوص غير منشورة عن التصوف الاسلامي » مركزا حول آراء ابن سبعين في بعض الفلاسفة المسلمين . أيا كان نقد ماسينيون لابن سبعين ومدى اعجابه به ، فإننا لا نرى بالفعل اثر هذا النقد الفعال ، ولا القيمة التاريخية الفريدة التي أسبغها ماسينيون عليه . مع العلم ان النقد للفلسفة كان قد انتشر ، يكفينا لذلك أمثلة الغزالي في منقذه من الضلال أو في التهافت وفي ردود ابن رشد عليه .